ضمير المتكلم

دوما, تستحضر ذاكرتي شريطا لمجلس مفترض لمجموعة من النحاة منهمكون في تقعيد اللغة وتدوينها وتنقيحها من الشوائب وتحصين حدودها من الدخليل والنحل والغريب.
مجالس ذكور, أطياف رجال يتذكرهم التاريخ منهم ابن جني وابن الفارسي وابن سيدة وسيبويه. هم كثر, بتناوبون على البصرة والكوفة, قصد انتجاع الأصول والفروع وأنساب العرب, أسباب النصب والجر, وأعراض الضم والرفع, وتفسير التخريجات, وتنقيح الشوائب, يتمسكون بالشواهد ويستشهدون بركائز القول وما تناقلته الأعراب في الاستقرار والترحال. قعدوا اللغة, انفرد الذكور فيها بالقول والسلطة والحكم, وزعوا القول بين متكلم ومخاطب, وغائب حاضر, وحاضر غائب, بين أنتم وأنتن وهم وهن, بين الذي والتي والذين واللاتي… وكانت اختلافات بينهم بينة لم يقع إجماع حولها. إجماع تجسد في ضمير ” مجلة المرأة العربية بامتياز “. رسموا مجلة المرأة العربية بامتياز ضميرا مقعرا حابلا بتلقي تفريغ الفاعل, تحضر النساء مدثرات بالغياب, مغلفات بالدونية والنقص, يذوب حضورهن كثيرات راشدات عاقلات وراء ذكر جنين.
تسند إلى الفعل المضارع الحاضر فتبنى على سكون يعني الهشاشة والفناء, قبالة واو جماعة تحيل على مجالس ذكور يحلون ويحرمون يعزمون ويعقدون لا مرد لكلمتهم وسلطتهم وجبروتهم, تنتهي أوامرهم بواو جماعة تقبض قوة الرأي وسطوة الجماعة, تنتهي بألف ممتد مشهور يعلن الوصاية والانفراد والجبروت.
تبسط تاؤهن المؤنثة, بلا معنى وبلا هدف وبلا دور, سوى تأثيث المشهد اللغوي, وتستلقي التاء على سرير الكلام, خانعة, خاضعة, قانعة, وإن حدث وربطت, تربط النساء معها في البيوت, مقيدات بالشأن الخاص, مبعدات عن الشأن العام وأحابيله, ومشاريعه المتعلقة بالحياة الكريمة ومتطلباتها وانتظاراتها.
تنبسط تاء التأنيث بالبيوت منفتحة على التفرغ لأدوار وأشغال تتناسل بتبعية وازدراء.
هل كانت مرجعية النحاة وهم ينحتون صورة مقعرة لمجلة المرأة العربية بامتياز, ضمير الحضور الغائب, وأن هذا الضمير موصول بالاستجابة لغرائز ذكورية, هل هو ضمير مستتر, يفضح امتلاك الرجل للحرف والقول, وحصر المرأة في تفريغ اللذة.
لعل  مجلة المرأة العربية بامتياز تصغير لتوت النشوة, خمس نقط امتصها ظمأ غزال بري في صحراء لطمس غريزة الشره في الاستغلال والاستعباد.
كيف نفسر تغيير مواقف الحركات إلى النقيض, كيف لحركة بسيطة تمثل كل السلطة والقوة والحضور والغزو والفتح وهي حركة فتح على ضمير المخاطب الذكر, ولا تلبث أن تحول إلى كسر مجرور ومضاف إليه وحاضر وغائب في أنت.
لقد اتفق النحاة على تجسيد الرجل في ضمير المتكلم, فجاء يكرس الهمينة والقوة المفترضة في القول والبلاغة والبيان, والوحيد الذي لا شريك له في اتخاذ القرار.
نحت ضمير المتكلم جسما ممشوقا ممتدا بين قضيبين, الهمزة متربعة تاجا على الهامة والألف ممدودا, سيفا وقضيبا فحلا, ملما بشتات المعرفة, جامعا لأسرار العلم. نسج السادة النحاة وفقهاء اللغة والعلماء عباءة ضمير المتكلم على مقاس الرجل, لن تكتسي به المرأة يوما, اعتبارات لاحتمال يعضده الاعتقاد بأن الرجل يخير بين المرأة أو الكتابة على اعتبار أنهما قطبين لتوفير اللذة ووعاء لإفراغ الألم.
إن الحديث عن المساواة بين الجنسين لا يعني المساواة البيولوجية بينهما, ولا يغيب الاختلاف في بعض خصوصيات كل منهما على حدة, إنه يبتغي الاعتراف بالمرأة ضميرا متكلما, منجا, مشاركا فعالا, حاضرا, مرفوع القيمة والطاقات والمساهمات.
مساواة تنشد الاعتراف للمرأة غير مشروط بطول الباع في الإبداع والحضور الكامل لا ينوب عنها ضمير مستتر, ولا يعرب التعبير عن دورها وقيمها المضافة بتقديره هي.
الاحتكام يكون بمراجعة التمثلات الاجتماعية وكيفية تقسيم أدوار انطلقت من الاختلاف الجنسي, فضمنت للرجل السيطرة واحتكار القرارات وامتلاك الموارد وتحقيق الرغبات والغرائز.
النساء قادمات بإصرار واقتناع يحبكن لغتهن بإتقان ودربة, ينحتن مكانتهن في رحاب الشأن العام, ضمائر متكلمة غير مستترة ولا مجرورة.
تمنطقت المرأة بضمير المتكلم, اعتمدته سهما, سيفا, إبرة غرزتها بحذق في رداء الإبداع والخلق والتفوق.

بقلم: مليكة نجيب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *