أهمية الثقافة الجنسية

لقد آن الأوان لكي نعترف أمام أنفسنا أننا لم نتربى أو نربي أبناءنا مثل هذه التربية المتوازنة التي تعامل الإنسان بواقعية لا ترتفع على أساسيات الحياة, بحيث لا تبخس حق أي من الجسد والنفس في الإطار الحلال الذي شرعه الله تعالى, فنحن في نهاية الأمر بشر ولسنا بملائكة نستغني عن الماديات بالروحانيات أو حيوانات تجري دائما وراء الغرائز والشهوات, بل نتأرجح بين هذا وذلك, ولذلك كان لزاما علينا ألا نضيع حق الجسد من خلال التعلم والمعرفة بكل ما يمكن أن يصونه ويحميه ليظل عطاؤه متجددا, وفي الوقت نفسه لا نبخس الروح والنفس حقها, وبذلك فقط يعيش الإنسان حالة من السكن والهدوء التي وصفها المولى عز وجل في كتابه.
وفي اعتقادي أن أولى أساسيات المعرفة الواقعية والحياتية التي لا ترتفع عن الحياة هي المعرفة بالجنس, وأسلوب ممارسته, وما يحميه, وما يضره, وما يكفل له الإستمرار بنفس العطاء والكفاءة لكي يستمر قارب الحياة الزوجية بنفس النجاح والآمان. والكثير من الأشخاص يعتقدون خطأ أن مجرد الحمل والإنجاب دليل على نجاح العلاقة الجنسية بين الزوج والزوجة, ولو سألت الكثير من الأزواج والزوجات عن سبب استمرار العشرة الزوجية حتى الآن لكان رد معظمهم: بسبب وجود الأبناء, وليس لشعورهم بالسعادة أو السكن مع بعضهما, حتى في حالة عدم وجود أبناء, ولعل المفهوم الخاطئ لمعنى كلمة الحياء والإرهاب الفكري لمدلول كلمة الجنس هو الذي ينمع الزوج والزوجة من أن يلجآ إلى الأخصائي لكي يشكو أو تشكو إليه مما يعانيان منه في علاقتهما مع أنه لا حياء في العلم والدين.
والثقافة الجنسية ليس عيبا أو نقيصة لكي نجتنب الحديث عنها, وإنما هي ركن أساسي ومهم لاستقرار الحياة الأسرية وتنشئة جيل سوي يمر بفترة مراهقة سوية دون الاصابة بعقد أو مشاكل تؤثر عليه في المستقبل. والغريب أننا نجد بيننا من يرتعد ويستنكر لمجرد ذكر أي موضوع له علاقة بالجنس بغض النظر عما يحتويه من إفادة ومعلومات, في الوقت الذي نجد فيه الأئمة والفقهاء والشعراء قد اهتموا وتكلموا عن طبيعة الخطبة والزواج, وعيوب الفرج التي لا يمكن معها المعاشرة, والحمل والولادة والرضاعة, وحكم جماع المرضعة والزنا والشذوذ الجنسي وغير ذلك.
ولقد أشار المولى عز وجل إلى الزواج باعتبار أنه سكن في قوله تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ولعل هذه المعاني تشير إلى البعد النفسي والعاطفي للعلاقة الزوجية بجانب العلاقة الجنسية الحميمية, وهو ما يمهد لهذه العلاقة ويجعلها ناجحة ومثمرة, وليست مجرد لقاء جسدي عابر لتفريغ شحنة الغريزة مثلما يحدث بين الحيوانات.
ولقد تحدث القرآن الكريم عن الجنس والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لأن الخالق تعالى يدرك خبايا خلقه وأسرار صنعته, ويعلم أنه فطر كل من الرجل والمرأة بميل غريزي يقرب كل منهما للآخر من أجل إعمار الكون واستمرار الحياة, وخص الله تعالى بني آدم من بين سائر المخلوقات بأن جعل اللذة الجنسية قرينة التكاثر, فالرجل لا يجامع المرأة من أجل التكاثر فقط مثلما يحدث في بقية الكائنات, وإنما جعل الله تعالى في المعاشرة الجنسية لذة يتوق إليها الإنسان إلا أنه وضع لممارستها ضوابط وقوانين حتى لا تؤدي إلى الهلاك, وهكذا نجد أن القرآن الكريم قد أمرنا بالعفة منذ أكثر من خمسة عشر قرنا, ويأتي العلم الآن لكي يثبت أن العفة في ممارسة الجنس إنما هي السبيل الوحيد للوقاية من الأمراض الجنسية التي تنتقل من خلال تعدد الشركاء الجنسيين في الفراش.
من هنا نجد أن الدعوة إلى المعرفة والتعلم فيما يختص بالجنس من أجل الوصول إلى ممارسة جنسية مرضية لكل من الطرفين أصبحت ضرورة حتمية لكل من الرجل والمرأة اللذين ينشدان حياة هنيئة وسعيدة في جو من الاخلاص والمودة.. ويتحدث القرآن الكريم عن مدى حميمية العلاقة الزوجية بين الطرفين فيقول ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) البقرة- 178.
والجهل بالثقافة الجنسية منذ الصغر يؤدي إلى عواقب وخيمة بعد الزواج, ومن خلال الدراسات التي أجريت على العديد من الناس المطلقين الذي انفصلوا عن بعضهم البعض لأسباب مختلفة منها عدم التفاهم واستحالة العشرة والإهانة والتعدي بالضرب وغير ذلك من الأسباب تبين أن أكثر من 85 بالمئة من هذه الأسباب يكن وراءها عدم التوافق الجنسي بين الزوج والزوجة يؤدي إلى هذه الأسباب التي تظهر وكأنها السبب المباشر للانفصال الجسدي أو الطلاق.
ومن خلال متابعة عشرات الآلاف من الحالات على مدى زمن طويل اكتشف الأطباء أن هناك الكثير من الأدوية التي تستخدم بشكل روتيني لعلاج بعض الأمراض العضوية أو التنفسية والتي يكتبها طبيب متخصص بالفعل تؤثر على الحالة الجنسية لكل من الرجل والمرأة دون أن يلتفت أي منهما بأن هذه الأدوية وراء هذه الأعراض. والمشكلة أن الكثير من الأطباء الذين يقومون بوصف هذه الأدوية لمرضاهم لا يعلمون شيئا عن مضاعفاتها الجانبية من الناحية الجنسية, وذلك لأن شركات الأدوية نفسها لم تكن تعطي هذا الجانب حقه في الدراسات إلا عندما يسبب الدواء فقدا تاما للمقدرة الجنسية, كما أن معظم الدراسات التي تجرى على الدواء عند تجربته تعامل المرأة والرجل على حد سواء من حيث الأثر والجرعات وكل شيء باستثناء الهرمونات فقط وهذا خطأ أيضا فقد تبين أن هناك تأثيرات جنسية تختلف عند الرجل عنها عند المرأة, وإلى جانب المواد التي تؤدي إلى الإدمان والتأثير على القدر الجنسية والخصوبة مثل الكحول والنيكوتين والبانجو والأفيون والهيروين والحشيش..
هناك الكثير من الأدوية التي تستخدم لعلاج ضغط الدم وقصور الشرايين التاجية والاكتئاب وقرحة المعدة والإثني عشر قد تسبب أعراضا ومضاعفات جنسية عند الرجل تتمثل في فقد الرغبة الجنسية أو انخفاضها على ذي قبل والتأثير على الحيوانات المنوية وحيويتها, وعند المرأة تسبب فقد الرغبة الجنسية والبرود العاطفي والجنسي واضطرابات الدورة والتبويض. وليس بالضرورة أن تحدث كل هذه الأعراض مع استخدام هذه الأدوية عند كل الناس لكن المشكلة عدم إدراك الأسباب عند حدوث هذه المشاكل والتردد في التوجه للطبيب المختص.
من هنا يتضح لنا أهمية توافر الرضا والتوافق الجنسي بين الزوجين وأهمية هذه العلاقة في الشعور بالسعادة الزوجية, وألا يتعامل الشريك بأنانية ويبحث عن سعادته دون مراعاة الطرف الآخر.
ولا يمكن تجاهل وجود ارتباط بين الحالة النفسية للإنسان وبين القدرة الجنسية فلا يمكن إتمام هذه العلاقة تحت ضغوط نفسية وعصبية أو وجود مشاكل من أي نوع, والذكاء يقتضي التعامل الحكيم مع هذه المشاكل والوصول بالحياة الزوجية إلى شاطئ الأمان, وعلى الزوجة أن توفر للبيت المناخ الهادئ الآمن لأسرتها وأن تهتم بنفسها ومظهرها وبيتها وأن تدرك أن ابتسامة على وجهها قد يكون لها مفعول السحر على عشل هموم زوجها. فالكثير من البيوت تنهار وتفشل الحياة الزوجية بسبب عدم الرضا الجنسي بين الزوجين, ولا نبالغ إذا قلنا أن السبب الرئيسي لحالات طلاق عديدة, والمؤسف أنه قد يكون سببا في هروب الزوج من بيته وخيانته لزوجته إذ أنه قد يبحث عن امرأة أخرى تعطي له ما لم يحصل عليه مع زوجته.
إن مفتاح السعادة الزوجية يتطلب وجود تفاهم بين الزوجين منذ أول يوم في حياتهما الزوجية, وأن يتفهم كل طرف رغبة الآخر ورضاه وارتياحه ويحاول أن يحقق له السعادة, فإذا ما تحقق هذا تحولت الحياة الزوجية إلى سعادة واستقرار وسكن وآمان للطرفين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *