التغيرات النفسية عند الحامل

تنقسم الحياة النفسية للحامل علمياً مثلما تقسم فترة الحمل نفسها, أي إلى ثلاث مراحل, كل مرحلة تحوي ثلاث أشهر, والمرحلة الأولى تعني الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل والثانية تعني الأشهر الثلاثة التالية وكذا المرحلة الثالثة.
في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل المرحلة الاولى, لا تكون الأم قد صدقت تماماً أنها حامل مثلما يحدث في الحمل الأول, فهي لا تستطيع أن تتخيل حجم دورها في المجتمع بعد أن تضع مولودها, أو أنها لا تستطيع أن تتخيل كيف سترى هذا الوليد, وكيف سيعيش هذا الكائن الغريب معها, ولا تكون الأم أيضاً متأكدة من أدائها لدورها كأم, ولهذا السبب يتكون لديها عدم وضوح رؤية بالنسبة للحمل, فهي لا تستطيع أن تحدد ما إذا كانت تحب الحمل أو أنه شيء بغيض بالنسبة لها.
وهناك كثير من السيدات يأتين إلى عيادة الطبيب ويصرحن بذلك غير أن الأغلبية العظمى لا تستطيع أن تصرح بهذا الإحساس, وهؤلاء هن من يصبن بأعراض جسمية, مثل النوم الكثير, أو النوم القليل ( الأرق ) أو النوم طيلة النهار واليقظة طيلة الليل, أو تحس باكتئاب أو بذخ غير معتاد أو هياج جنسي أو غير ذلك.. وقد يحدث أيضاً أن تظهر عليها الأعراض المبكرة للحمل, مثل القيء بشكل عنيف ومتكرر.
ولحسن الحظ أن هناك رد فعل اجتماعي من هذا الحمل, فالعلاج الأساسي للسيدة في هذه الحالة هو أن تحس السيدة بـأنها قد نجحت اجتماعياً في بناء أسرتها.
ويشكل هذا تعويضا عن مشاعرها السلبية, أضف إلى هذا أنها تحس بأنها استطاعت ونجحت في تحقيق وظائفها بالتكاثر, وفي اكتمال إحساسها بأنوثتها, ذلك على الرغم من أنه قد توجد بعض المشاكل الاقتصادية أو العاطفية, وحتى مشاكل عائلية مع زوجها خاصة بعدم الأمان في العلاقة بينهما, وهي مشاكل قد تنتج عنها آثار سلبية, وإنما النتيجة الحتمية لهذه السلبيات والإيجابيات تأتي متوازنة, أي أنه عند جمع الإيجابيات والسلبيات يكون الناتج صفرا.
أما إذا زادت السلبيات على الإيجابيات فتظهر المشاكل التي تحدثنا عنها سلفا, أما إذا زادت الإيجابيات على السلبيات فيسهم ذلك إسهاما حسناً في النمو النفسي والعاطفي للأم. ووعي الأم بمشاكل الحمل ووعيها بمشاكل الولادة يشكلان أحياناً إحدى سلبياتها, أضف إلى ذلك أنها من الطبيعي أن تستغرق في التفكير: ترى هل ستتم الولادة طبيعية ؟ ترى  هل سألد كما ولدت أمي ؟ ترى هل أحتاج لدخول المستشفى ؟ هذا وغير ذلك بحد ذاته يعتبر من السلبيات.
أما في المرحلة الثانية من الحمل فتبدأ الأم بالإحساس بحركة الجنين فتتأكد من أنها قد أصبحت بالفعل حاملاً, وهذا باعث جيد لها, بيد أن هذا الباعث الجيد إذا قورن بتغير شكلها العام  وتغير شكل جسدها فإنه يؤثر تأثيراً سلبياً في بعض الحالات, وفي بعض الحالات الأخرى قد يؤثر تأثيراً جيدا, لأن الأم تحس في هذه الحالة بأن التغير حدث تلقائياً ونتيجة طبيعية للحمل, وأنه يحدث لكل السيدات الحوامل بلا تحديد, وتكون السيدة في هذه المرحلة مشغولة بإعداد ملابس جديدة لها وللطفل المرتقب. والمشاعر في الفترة الثانية من الحمل تكون عادية أو بها تضارب أو سلبية.
أما في المرحلة الثالثة من الحمل فتنشغل الأم بإعداد الترتيبات النهائية لاستقبال العضو الجديد في البيت  الوارد من عالم السعادة الزوجية وإحدى ثمارها, فتجدها ترتب له حجرة خاصة بالبيت أو سريراً خاصاً, ذلك غير اهتمامها بتنمية مواهبها الإجتماعية كأم, وتعد للطفل خططا لمستقبله, وتنشغل تماما بالتفكير في مستقبله, قتراه حيناً ضابطاً أو مهندساً أو طبيباً, كذلك تنهمك الأم في كل ما يصل ليدها من كتب عن رعاية الطفولة والأمومة وفي شتى المجالات خاصة بالطفل.. فهي تنتظر الحدث السعيد الذي سوف يتم قريباً عاجلاً.. هذا هو ما يتم في الظاهر, وكثيراً ما يحدث لها الأرق, أو النوم القلق وتفزعها الكوابيس والأحلام المزعجة, وهذا دليل على أنها تنازعها الهواجس والوساوس على طفلها, وعلى حياتها أثناء الولادة, ويعوض ذلك أن هناك تغييراً بيولوجيا على قدر كبير من الأهمية في الجسم, ألا وهو الزيادة الكبيرة في الهرمونات.. ويساند ذلك أن يحضر الأهل والأصدقاء, ليقفوا إلى جوارها ويمدوها بدعم نفسي كبير ويهنئونها ويبشرونها بكل ما هو خير.
هذا الدعم النفسي الذي تتلقاه الأم من الأهل والأصدقاء يجب أن تتلقاه أيضاً من الطبيب. وهذا من أهم واجبات الطبيب ناحية الأم, فالطبيب المتفهم يستطيع أن يمر بالأم من فترة الحمل حتى الولادة الطبيعية التلقائية, وهو أيضاً يساعد الأم على أن تكون واعية وعيا كاملاً وأكثر خبرة بنفسها, كذلك ينميها تنمية نفسية, ويساعدها أيضاً على التكامل الشخصي, أي على أن تساعد نفسها في إكمال شخصيتها, كما تحسن صحتها العقلية. والمقصود به هو أن يعمل العقل بكفاءة, فإذا كانت مريضة علقلياً كان له أن تشفى, وإن لم يساعدها الطبيب على تحسن صحتها العقلية, فإنه يحدث تدهور عقلي.
وهناك شيء على قدر كبير من الأهمية, ويعتبر المحرك المسئول عن حالة الأم النفسية أثناء الحمل, وهو أن الأم التي تعتبر الحمل حالة طبيعية تبحث في الغالب عن الطبيب الذي يعطيها إحساساً بأن حملها طبيعي وحياتها طبيعية, أما الأم التي تعتقد أن الحمل حالة مرضية فإنها في الغالب تهرب من الطبيب الذي يجعل من الحمل شيء طبيعياً للمرأة, وتبحث عن آخر يستطيع أن يصور لها مدى خطورة الحمل, ويجسد لها آلامه وبشاعته, فإذا اعتبرت الأم أن الحمل مرض فسوف يصيبها بالتأكيد, أما الأم التي تعتبره سنة الحياة ترحمها من كثير من آلامه ومتاعبه الوهمية.
وهناك كلام كثير يقال عن الحالة النفسية للأم بعد الولادة, فالأم تحس بآلام كثيرة وإلى جوارها يرقد كائن صغير, يقولون لها إنه ابنها ومطلوب منها أن ترعى هذا الكائن الجديد في الوقت نفسه الذي تهتم فيه برعاية حالتها الصحية الخاصة, ولكن الثابت والمؤكد أن الأم إذا مرت من مراحل الحمل بسلام وعلى ما يرام فإنها ستصبح بخير وعلى مايرام في فترة النفاس أيضا.

Leave a Comment

Scroll to top